أسباب إنقضاء الدعوي الجنائية
تنقسم أسباب إنقضاء الدعوي الجنائية إلي نوعين:
أسباب عامة لانها تسري علي جميع الجرائم أيا كان نوعها: جنايات أم جنح أم مخالفات، وأسباب خاصة لأنها مقصورة علي بعض الجنح فحسب.
أولآ :- الأسباب العامة، وهي أربعة أسباب تنقضي بها الدعوي الجنائية بالنسبة لجميع الجرائم، منها وفاة المتهم، مضي المدة، العفو عن الجريمة، الحكم النهائي.
السبب الأول :- وفاة المتهم
تنص المادة ١٤ إجراءات جنائية علي أنه:-
(( تنقضي الدعوي الجنائية بوفاة المتهم ولا يمنع ذلك من الحكم بالمصادرة في الحالة المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة ٣٠ من قانون العقوبات إذا حدثت الوفاة أثناء نظر الدعوي )).
الفقرة الثانية من المادة ٣٠ هي تلك التي توجب الحكم بالمصادرة في جميع الأحوال إذا كانت الأشياء المضبوطه (( من الأشياء التي يعد صنعها أو إستعمالها أو حيازتها أو بيعها أو عرضها للبيع جريمه في ذاته)) اذ تكون المصادرة في هذه الحالة من الإجراءات الوقائية، ومن ثم فلا تمنع وفاة المتهم من الحكم بها.
إذا حدثت وفاة المتهم قبل رفع الدعوي الجنائية أمتنع رفعها، أما اذا حدثت الوفاة أثناء سير الدعوي وجب علي المحكمه الحكم بإنقضائها دون التعرض للموضوع،وإذا حدثت الوفاة بعد صدور حكم إبتدائي في الدعوي وقبل الطعن فيه فلا تستطيع النيابة ولا الورثة سلوك سبيل الطعن.
وإذا كان الحكم الإبتدائي قد صدر بتوقيع العقوبة فإنه يسقط من تلقاء نفسه بالوفاة، ولا يمكن تنفيذه إلا إذا كانت العقوبة هي المصادرة كما ذكرنا.
وإذا حدثت الوفاة بعد التقرير بالطعن في الحكم من المتهم أو من النيابة وجب علي محكمة الفصل في الطعن ان تحكم بإنقضاء الدعوي، سواء أكان الطعن بالإستئناف أو بالمعارضة أو بالنقض. أما إذا حصلت الوفاة بعد صدور حكم نهائي فتنقضي الدعوي بهذا الحكم لا بالوفاة وتكون العقوبة واجبة النفاذ حتي الوفاة،كما تنفذ العقوبات المالية والتعويضات من تركته بإعتبارها ديونا عليه، اذ ان الديون لا تسقط بالوفاة (م ٦٣٥ إجراءات).
سقوط الدعوي الجنائية بوفاة المتهم أو بأي سبب آخر خاص بها بعد رفعها لا يؤثر في سير الدعوي المدنية المرفوعة معها (م ٥٥١/ ١ إجراءات). وللمدعي بالحقوق المدنية أن يدخل الورثة ليحصل علي حكم بالتعويض في مواجهتهم أمام المحكمة الجنائية التي تستمر امامها الدعوي المدنية قائمة كما كانت.
ومن الواضح أن وفاة الفاعل الاصلي لا تأثير لها علي الشريك، إلا في جريمة الزنا.
السبب الثاني من الأسباب العامة لإنقضاء الدعوي الجنائية ألا وهو:- مضي المدة.
تنص المادة ١٥ إجراءات جنائية علي أنه (تنقضي الدعوي الجنائية في مواد الجنايات بمضي عشر سنين من يوم وقوع الجريمة، وفي مواد الجنح بمضي ثلاث سنين، وفي مواد المخالفات بمضي سنة مالم ينص القانون علي خلاف ذلك).
نظام انقضاء الدعوي الجنائية بمضي المدة يقوم علي اعتبارات متعددة، منها أن مضي المدة يعد قرينة علي نسيان الجريمة، ومنها صعوبة إثبات معالمها بفوات الوقت.
ويقتضي بحث أحكام انقضاء الدعوي بمضي المدة معالجة الموضوعات الآتية :-
نطاق انقضاء الدعوي بمضي المدة،ثم تحديد المدة اللازمة لإنقضاء الدعوي، ثم مبدأ سريانها، ثم أحكام إيقاف مدة التقادم وإنقطاعها، وأخيراً بحث ما يترتب من نتائج علي مضي المدة.
١- نطاق أحكام إنقضاء الدعوي الجنائية بمضي المدة:
تسري أحكام انقضاء الدعوي الجنائية بمضي المدة علي كل جريمة سواء أكانت معلومة للمجني عليه أم مجهولة،وسواء حصل عنها تبليغ للسلطات المختصة أم لم يحصل،وذلك مادامت الدعوي قائمة لم تقدم إلي إنقضاء بعد أو إذا قدمت ولكن لم يفصل فيها بحكم نهائي غير قابل للطعن.
ولا يغني عن الحكم النهائي، حكم إبتدائي قابل للمعارضة أو للإستئناف، ولا حكم إستئنافي قابل للمعارضة أو للنقض، وذلك لأن الحكم الإبتدائي أو الغيابي أو الإستئنافي القابل للطعن لا ينهي الدعوي، بل هو مجرد إجراء من إجراءاتها.
أما إذا أصبح الحكم نهائيا حائزآ ححية الشئ المحكوم فيه، بإستنفاد طرق الطعن أو بفوات مواعيده، فإنه يسقط عندئذ بمضي المدة المقررة لسقوط العقوبة، ولا محل لسريان المدة المقررة لسقوط الدعوي،وإستثناء من هذه القاعدة الأخيرة تنص المادة ٣٩٤ إجراءات علي أنه (لا يسقط الحكم الصادر غيابيا من محكمة الجنايات في جناية بمضي المدة، وإنما تسقط العقوبة المحكوم بها ويصبح الحكم نهائياً بسقوطه).
وحكمة هذا الإستثناء أن الحكم الغيابي الصادر بالعقوبة في جناية من محكمة الجنايات له طبيعته الخاصة، ويوصف عادة بأنه حكم تمهيدي لأنه يسقط حتما إذا حضر المحكوم عليه أو قبض عليه، وقد أخضعه القانون لقاعدة إنقضاء الأحكام النهائية وجعل سقوطه رهنا بسقوط العقوبه المحكوم بها، وهو استثناء ليس في صالح المتهم بطبيعة الحال، لان مدة سقوط الدعوي في الجنايات عشر سنوات، في حين أن مدة سقوط العقوبة عشرون سنة، أو ثلاثون إذا كان الحكم بالإعدام،ويشترط أن يكون الحكم صادرآ من محكمة الجنايات في جناية، أما إذا كان صادرا في جنحه غيابيا فهو يخضع للقاعدة العامة من ناحية سقوطه بالمدة اللازمة لإنقضاء الدعوي.
هناك استثناءات من نطاق التقادم بمضي المدة:-
استثنت المادة ١٥ فقره ٢ إجراءات من نطاق أحكام تقادم الدعوي الجنائية بعض جرائم خاصة جعلتها لا تنقضي بمضي المدة بالغة ما بلغت، وذلك حرصاً من المشرع علي توقيع العقاب علي مرتكبي هذه الجرائم لما فيها من مساس خطير بالحريات العامة،ومن هذه الجرائم الخاصة التي لا تخضع لنظام التقادم هي :-
- جناية المادة ١١٧ عقوبات وهي تعاقب (بالسجن المشدد كل موظف عمومي استخدم عمالآ في عمل للدولة أو لإحدي الهيئات العامة سخرة أو احتجز بغير مبرر أجورهم كلها أو بعضها)
- جناية المادة ١٢٦ عقوبات وهي تعاقب (بالسجن أو السجن البسيط من ثلاث سنوات إلي عشر كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله علي الإعتراف)
- جناية المادة ١٢٧ عقوبات وهي تعاقب (بالسجن كل موظف عام وكل شخص مكلف بخدمة عامة أمر بعقاب المحكوم عليه، أو عاقبه بنفسه بأشد من العقوبه المحكوم بها عليه قانونا، أو بعقوبة لم يحكم بها عليه).
- جناية المادة ٢٨٢ عقوبات وهي تعاقب علي (القبض علي شخص أو حبسه، أو حجزه، بدون أمر أحد الحكام المختصين بذلك، وفي غير الأحوال المصرح بها، فإذا حصل القبض من شخص تزيا بزي مستخدمي الحكومة،أو اتصف بصفة كاذبة أو ابرز أمرا مزورا مدعيا صدوره من طرف الحكومة يعاقب بالسجن).
- جناية المادة ٣٠٩ مكررا عقوبات التي تنص علي أنه ( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد علي سنة كل من إعتدي علي حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن إرتكب أحد الأفعال الأتية في غير الأحوال المصرح بها قانونا، أو بغير رضاء المجني عليه :
أ- استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيا كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص، أو عن طريق التليفون.
ب- التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص.
- جرائم المادة ٣٠٩ مكررا (أ) عقوبات وهي تقضي بأنه (يعاقب بالسجن كل من أذاع أو سهل إذاعة أو إستعمل في غير العلانية تسجيلا أو مستندا متحصلا عليه بإحدي الطرق المبينة بالمادة السابقة، أو كان ذلك بغير رضاء صاحب الشأن.
٢- تحديد المدة اللازمة للإنقضاء :-
واضح من نص المادة ١٥ إجراءات أن المدة اللازمة للتقادم تختلف بحسب ما إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة أم مخالفة، فهي عشر سنين في الجناية، وثلاث في الجنحه،وسنة للمخالفة.
بالنسبة للظروف القضائية المخففة من السائد أنها لا تؤثر في طبيعة الجناية ولا تقلبها أو تغيرها إلي جنحة، فتخضع الواقعة في التقادم للمدة اللازمة للجنايات، وهذا حكم بديهي لأن الظروف متروك تقديرها للقاضي كليا يأخذ بها أو لا يأخذ، ولا يمكن افتراض الأخذ بها مقدمآ مع أن الدعوي بحسب الأصل لا تكون قد رفعت إلي القضاء بعد.
وبالنسبة للأعذار القانونية فإن حكمها يختلف من عذر إلي آخر بحسب طبيعته.
أما بالنسبة لعذر تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي بنية سليمة (م ٢٥١ عقوبات) فتري محكمة النقض أن الواقعة متي كانت جناية تبقي جناية ولا تنزل الي جنحة، لأن المشرع نص علي عقوبة الحبس بصفة إختيارية.
٣- مبدأ سريان المدة :-
طبقا لنص المادة ١٥ إجراءات (تنقضي الدعوة الجنائية في مواد الجنايات بمضي مدة عشر سنين من يوم وقوع الجريمة). فمبدأ سريان المدة هو يوم وقوع الجريمة سواء حصل عنها تبليغ أم لم يحصل، وكذلك تحسب المدة من تاريخ آخر إجراء انقطعت به، والمتبع عملا هو احتساب المدة من اليوم التالي لوقوع الجريمة، أو لإتخاذ الإجراء القاطع للمدة، ولا يكمل إلا بإنقضاء اليوم الأخير أخذا بحكم المادة ١٥ مرافعات باعتبار أنها القاعدة العامة في احتساب المدد.
وتعيين يوم وقوع الجريمة يقع علي عاتق النيابة العامة، وهذه مسألة موضوعية لا رقابة فيها لمحكمة النقض، لذا يلزم أن تعين محكمة الموضوع تاريخ وقوع الجريمة، وذلك إذا ما دفع أمامها بالتقادم، وإلا كان الحكم باطلا.
وتبدأ المدة في الجرائم المستمرة من اليوم التالي لإنقضاء حالة الإستمرار.
فيما يتعلق بالجرائم المستمرة استمرار ثابتا يبدأ تقادمها من وقت ارتكابها لا من وقت اختفاء آثارها، أي تعامل معاملة الجرائم الوقية.
٤- انقطاع مدة التقادم :-
انقطاع مدة التقادم مقنضاه ضياع الوقت الذي مضي منها نتيجة إتخاذ أي إجراء في الدعوي مما بينه القانون - فلا يحتسب فيها، بل تبدأ المدة من جديد من تاريخ الإنقطاع.
إنقطاع التقادم عيني يمتد أثره إلي جميع المتهمين، أي إلي جميع المشتركين في الواقعة، ولو لم يكونوا طرفا في تلك الإجراءات (م ١٨ إجراءات) وسواء اعلموا بها أم جهلوها، فسؤال المجني عليه مثلا يقطع التقادم بالنسبة الي المتهمين جميعا.
الإجراءات القاطعة لمدة التقادم : تنص المادة ١٧ إجراءات علي أنه( تنقطع المدة بإجراءات التحقيق أو الإتهام أو المحاكمة، وكذلك بالأمر الجنائي أو بإجراءات الإستدلال إذا اتخذت في مواجهة المتهم أو إذا أخطر بها بوجه رسمي، وتسري المدة من جديد ابتداء من يوم الإنقطاع).
واعتبر قاطعا للتقادم إعلان المتهم بالحضور لجلسة المحاكمة إعلانا صحيحا، وكذا صدور حكم من محكمة مختصة بإصداره.
ويعد قرار التأجيل قاطعا للتقادم كذلك بشرط صدوره في حضور الخصوم، أو بناء علي طلب أحدهم لأنه بمثابة حكم تحضيري.
أما إذا صدر التأجيل في غيبة الخصوم ودونما طلب منهم فإنه يكون تأجيلا إداريا لا قضائيا، ولا يقطع بالتالي مدة التقادم.
ما يترتب علي مضي المدة: يترتب علي مضي المدة المطلوبة انقضاء الدعوي، وكذلك جميع نتائجها الجنائية، فليس لأي جهة أخري أن تحركها، وإذا كانت قد تحركت أمام النيابة أو أمام القضاء ثم تبين هذا الإنقضاء، فليس للنيابة أن تباشرها أو أن تترافع فيها أو أن تبدي طلبات إلا توصلا إلي الحكم بإنقضائها. وإذا أغفلت النيابة ذلك فعلي المحكمة أن تحكم به من تلقاء نفسها.
وإنقضاء الدعوي الجنائية بمضي المدة من النظام العام، فليس للمتهم أن يتنازل عنه.
فيما بعد نكمل الأسباب العامة لإنقضاء الدعوي الجنائية.


تعليقات
إرسال تعليق